أخبار عاجلة
الرئيسية / ادب وفنون / كربلاء في شعر نزار قباني…

كربلاء في شعر نزار قباني…

 

لؤي زهره
لو شاءت الأقدار أن يتخذ الحسين أي ارض أخرى لتكون مصرعه لحملت تلك الأرض تلك القدسية والمبادئ السامية و لبقيت كربلاء على حالها جرداء قاحلة تخلو من تلك القيم وهذه القدسية التي تفتخر بها على كل بقاع الكون .
من هنا يمكننا القول بأن كربلاء تعني الحسين ولا شيئا سواه… لذلك نجد أنفسنا نستحضر الحسين في أذهاننا عندما نستذكر كربلاء وبدون ان يكون لنا القصد بذاك فكلاهما مرتبط بالآخر ارتباطاً وثيقاً لا ينقطع .
وعندما يتغنى الشعراءُ بكربلاء فهم يتغنون بالمبادئ والقيم التي نثرها الحسين على هذه الأرض الطيبة لتورق في ساعتها اشجاراً عظيمة من القيم النبيلة والمبادئ السامية .
لقد استطاع الشعر العربي أن يحول كربلاء من تلك المدينة الصغيرة الى مدينة بحجم الكون فهي لا تخضع للبعد الجغرافية كما هي على خريطة الواقع بل تتعدى الزمكانية بكامل أبعادها .
فهي حاضرة بمدلولاتها في اي مكان وزمان تُستنبَط منها رموز الفضيلة والشموخ والإباء والتضحية والعطاء وهي في نفس الوقت هي رمز للحزن والمأساة والغدر والحقد المتأصل في النفوس اللئيمة وبأختصار شديد فأن كربلاء مادة غنية بمدلولاتها لذلك تسابق الشعراء في استلهام تلك المعاني وتوظيف ذلك في الصور الشعرية المستوحاة من واقع حاضر في النفوس وما تركته واقعة الطف 61( هـ )الخالدة في ضمير الشعر العربي الحي .
ونزار قباني (1923- 1998م) بمفردته الشعرية الرقيقة والمحببة إلى النفوس نراه يستعين بكربلاء في مادته الشعرية كلما احتاج ان يضع يديه على جرح الامة النازف وليس غريباً على شاعر عشق الجمال أن يستلهم من كربلاء خاصة عندما يحتاج إلى أن يشخص ذلك وجع بعد أن حلت بها النكبات من كل حدب وصوب بسبب تردي واقعها الفكري الذي تحيا به فالاسى والحزن الذي يجتاحنا تعود جذوره الى ذلك الدم العبيط الذي بقي اثره في كربلاء و ترك شرخاً في قلوبنا ويأبى ان يندمل فهو يقول في قصيدته ( افادة في محكمة الشعر ) والتي القاها في مهرجان الشعر التاسع 1969
سكن الحزن كالعصافير قلبي
فالأسى خمرةٌ وقلبي الإناءُ
أنا جرحٌ يمشي على قدمـيهِ
وخيولي قد هدَّها الإعـياءُ
فجراح الحسين بعض جراحي
وبصدري من الأسى كربلاءُ
ويعود الحزن من جديد يسري في النفوس وكان مأساة كربلاء تعود هي الاخرى في كل مناسبة للحزن والبكاء وصور الغدر العربي المشين وتتجلى صور الغدر في رثاءه لجمال عبد الناصر 1970 فتاريخ كربلاء يعيد نفسه مع كل حادثه اغتيال لامال الامة وطموحها المشروع في حياة حرة كريمة . فيقول
قتلناكَ ..
ليس جديداً علينا
اغتيال الصحابة والأولياءْ
فكم من رسولٍ قتلنا…
وكم من إمام ذبحناهُ
وهو يصلي صلاة العشاءْ
فتاريخنا كلهُ محنةٌ
وأيامنا كلها كربلاءْ .
لم تكن كربلاء حاضرة في اغتيال قادة الامة بل حتى رثاء أدبائها فها هو القباني يسلتهم الحزن الكربلائي في حمى الحسين ليرثي عميد الادب العربي ( 1889- 1973 ) فقد جاء في قصيدة ( إرمِ نظارتيك ما أنت أعمى ) التي القاها في عام 1973 في جامعة الدول العربية ونجد ارتبطاً وثيقاً بين اسم الحسين وصورة احتباس الماء عن شفاه اليتامى .فيقول
إنني في حُمّى الحسين وفي الليل
بقايا من سورة الرحمنِ
تستبد الأحزانُ بي فأنادي
آه يا مصرَ من بني قحطانِ
حبسوا الماء عن شفاه اليتامى
وأراقوه في شفاه الغواني ..
ويستذكر وجع علي والحسين والمقصود بعلي هو علي الأكبر حين زفهُ الإمام الحسين إلى المنية بنفسه فأي وجع ينتاب المرء وهو يودع فلذة كبده إلى مثواه الأخير ويكاد الموت يحيط به من كل مكان فهنا يستجمع بمكنونه واقعة الطف في لحظاتها الاخيره. رغم انه كان يعيش في لندن حين كتب مرثيته إلى ولده توفيق الأمير الدمشقي 1973 في قصيدته.
لأي سماء نمد يدينا؟
ولا أحدا في شوارع لندن يبكي علينا
يهاجمنا الموت من كل صوب
ويقطعنا مثل صفصافتين
فأذكر، حين أراك، عليا
وتذكر حين تراني ، الحسين .
وجع كربلاء لا يتجدد مع مراثي الموتى فحسب بل هو فاجعة تاريخية شاملة تحز بالنفوس كلما مررنا على تاريخنا المظلم وفكرنا المتهرئ وليت آثاره تنتهي مع إسدالنا الستار عن تلك الفصول السوداء وما أكثرها في تاريخنا المظلم . فالخلل قد تسرب الى النفوس وبات لا جدوى من الاصلاح . فيقول في قصيدته ( من قتل مدرس التاريخ ) وهو يستحضر المشهد الدموي المروع لصور الأطفال والدماء تجري على ثيابهم وكأن كربلاء هي أول فاجعة لقتل الطفولة لتصبح مدعاة لقتل الفرح فينا فمن اين يأتي الفرح وهذا الصورة تقبع في دهاليز ذاكرتنا
من أين يأتينا الفرح؟
وكل طفل عندنا ، تجري على ثيابه
دماء كربلاء ..
والفكر في بلادنا
أرخص من حذاء ..
وغاية الدنيا لدينا :
الجنس .. والنساء .
وكربلاء ليست مناسبة لقتل الطفولة البرئية وحسب بل بداية للغدر الذي لا ينتهي ففي كل فاجعة تعود كربلاء حتى وان كان الحدث في لبنان او لندن او أي بقعة من بقاع الكون فهنا يبكي زوجته الحبيبة بلقيس التي ( كانتْ أجملَ المَلِكَاتِ في تاريخ بابِلْ ) فاغتالها الحقد عربي الدفين وكأن التاريخ يعيد نفسه فصور التفجير والتفيخ لا تقل بشاعة عن صور حز الرؤوس بالسيوف ورفعها على الرماح ف( مصيرنا نحن العرب أن نقتل بايدٍ عربية ) وان السيف العربي قد حز رؤوس بني جلدته واوقع فيهم القتل اكثر مما أوقع أعداؤهم بهم وهذه هي طامتنا الكبرى وهنا يقول في رثائه لبلقيس الراوي ( 1939 -1981 ) و كربلاء حاضرة بصورتها في خزينه الثقافي فهي قافلة الجنائز التي لا تنتهي الا عند قيامة الأموات . فيقول
فالخنجر العربي .. ليس يقيم فرْقاً
بين أعناق الرجالِ
وبين أعناق النساءْ
بلقيسُ:
إن هم فجروكِ .. فعندنا
كل الجنائز تبتدي في كربلاءَ
وتنتهي في كربلاءْ
لن أقرأ التاريخ بعد اليوم
إن أصابعي اشتعلتْ
وأثوابي تغطيها الدماء
ها نحن ندخل عصرنا الحجريَّ
نرجعُ كل يومٍ، ألف عامٍ للوراءْ …
في 1985 فجر نزار قباني قنبلة شعرية من العيار الثقيل وذلك في مهرجان المربد الخامس وأمام أنظار وأسماع الحكومة الجائرة والمتمثلة بقيادة البعث وبحضور لطيف نصيف جاسم وزير الثقافة والإعلام آنذاك .
وكانت هذه القصيدة سبباً لخلاف كبير مع حكومة بغداد فلم يتم دعوته الى أي مهرجان اخر في العراق . والقصيدة بعنوان جلودنا مختومة بختم كربلاء والتي يرى فيها ان ما حدث في كربلاء هي سبب مأساتنا .
مواطنون دونما وطن
مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن
مسافرون دون أوراق.. موتى دونما كفن…
مواطنون نحن في مدائن البكاء
قهوتنا مصنوعة من دم كربلاء
حنطتنا معجونة بلحم كربلاء
طعامنا.. شرابنا
عاداتنا.. راياتنا
زهورنا.. قبورنا
جلودنا مختومة بختم كربلاء
ولنزار قباني قراءة مختلفة عن قراءة ابن خلدون للتاريخ قد بينها في قصيدته قصيدة بعنوان( قراءة ثانية في مقدمة ابن خلدون)
فهذه القراءة واقعية تخلوا من التفسيرات الخيالية والتلفيق فنحن منذ مصرع الحسين نسير في جنائز
وكل ما سمعت عن حروبنا المظفرة
وكرّنا..
و فرّنا..
وأرضنا المحررة..
ليس سوى تلفيق..
هذا هو التاريخ, يا صديقتي
فنحن منذ أن توفى الرسول
سائرون في جنازة..
ونحن, منذ مصرع الحسين,
سائرون في جنازة..
ونحن, من يوم تخاصمنا
على البلدان..
والنسوان..
والغلمان..
في غرناطة
موتى, ولكن ما لهم جنازة !!
لا تثقي, بما روى التاريخ, يا صديقتي
فنصفه هلوسة.
في عام 1992 اغتالت الموساد الإسرائيلي عباس الموسوي زعيم حزب الله فأطلق نزار سمفونية الجنوب الخامسة من ديوانه ( قصائد مغضوب عليها) والتي اتخذ من كربلاء صورة مختلفة ووجه مغاير عما لمسناه سابقاً فلقد صارت كربلاء رمز البطولة والتضحية والفداء والصمود والإباء وهي مصدر الهام الجنوب اللبناني الذي حقق النصر رغم تخاذل العروبة عن نصرة الجنوب اللبناني وتقاعسهم المتعمد عن الالتحاق بخوض غمار شرف المعركة العادلة . كربلاء كانت حاضرة في الجنوب اللبناني وهي تقارع العدو الإسرائيلي ببسالة منقطعة النظير وهذا الصمود النصر لم يكن له وجود لولا ان استمد اولئك الابطال من كربلاء و الحسين صور التحدي والبساله والتضحية والفداء وكأنهم يرتدون عباءة الحسين . لقد مثلت المقاومة اللبنانية الباسلة الخط المنحرف عن واقعنا الملئ بالذل والهزائم والخذلان فالعرب قد غادرها النصر ولم تذق طعمه منذ ان ارتدت ثوب الذل والخنوع حتى خلعت المقاومة البنانية الباسلة ذلك الثوب المهين فاستحقت هذا التمجيد …
سميتك الجنوب
يا لابسا عباءة الحسين
وشمس كربلاء
يا شجر الورد الذي يحترف الفداء
يا ثورة الارض التقت بثورة السماء
يا جسدا يطلع من ترابه
قمح وأنبياء
سميتك الجنوب
يا قمر الحزن الذي يطلع ليلا من عيون فاطمة
يا سفن الصيد التي تحترف المقاومة
يا أيام عاشوراء،
ويا مآذن الله التي تدعو إلى المقاومة
يا لعلعة الرصاص في الأعراس
يا فصائل النمل التي
تهرب السلاح للمقاومة.
وفي قصيدته ( منشورَاتٌ فِدَائيّة على جُدْرَانِ إسْرائيل) يستلهم الوجع من كربلاء ومن اسى فاطمة الزهراء لعله يصحح ما تقبح من وجه التاريخ

نأتي بكُوفيَّاتنا البيضاء والسوداءْ
نرسُمُ فوق جلدكمْ ..
إشارةَ الفِداءْ
من رَحِم الأيَّام نأتي.. كانبثاق الماءْ
من خيمة الذلّ الذي يعلكها الهواءْ
من وَجَع الحسين نأتي
من أسى فاطمةَ الزهراءْ ..
من أُحُدٍ .. نأتي ومن بَدْرٍ
ومن أحزان كربلاءْ ..
نأتي .. لكي نصحِّحَ التاريخَ والأشياءْ
ونطمسَ الحروفَ ..
في الشوارع العبرِيَّة الأسماءْ
وفي قصيدة ( آخر عصفور يخرج من غرناطة) يشحذ الهمم بمجيء الحسين وثوار الجنوب للمقاومة حينها يحدث النصر المرتقب يقول:
ظلي معي…
حتى يظل البحر محتفظا بزرقته
ظلي معي فلربما يأتي الحسين
وفي عباءته الحمائم، والمباخر، والطيوب
ووراءه تمشي المآذن والربى
وجميع ثوار الجنوب
كما أنه شبه مذبحة قانا التي حدثت في عام 1996والتي راح ضحيتها 106 قتيلا بكربلاء الثانية
كل من يكتب عن تاريخ ( قانا )
سيسميها على أوراقه
كربلاء ثانية !!
وفي قصيدة راشيل وأخواتها تطرق نزار الى الامام الحسين عليه السلام ووصف قدسية تراب الجنوب كقدسية ثوب الحسين عليه السلام …
دخلوا قانا .. كأفواج ذئاب جائعة ..
يشعلون النار في بيت المسيح .
ويدوسون على ثوب الحسين ..
وعلى أرض الجنوب الغالية ..
اما قصيدته الرائعة في حب الحسين هل للحسين مع الروافض من نسب فهي سمفونية خالدة يعجز اللسان عن وصفها فهو يثير مجموعة من التساؤلات عن تلك العلاقة بين جدوى البكاء على الحسين بعد انقضاء اكثر من اربعة عشر قراناً على استشهاده فيجيب ان ذلك البكاء هو الوشيجة التي توصلنا بذكرى واقعة الطف الأليمة واني لأعجب من هذه القصيدة حين اقرأها هل كان نزار قباني رافضياً . لست ادري
سأل المخـالف حين انـهكـه العـجب
هل للحـسين مع الروافـض من نسب
وعلى امتداد الدهـر يُوقِـدُ كاللَّـهب
لا يـنـقضي ذكـر الحسين بثـغرهم
وكـأنَّ لا أكَــلَ الزمـــانُ على دمٍ
كدم الحـسين بـكـربلاء ولا شــرب
أوَلَمْ يَـحِنْ كـفُّ البـكاء فــما عسى
يُـبدي ويُـجدي والحسين قد احــتسب
فأجـبـتـه ما للـحـسين وما لـــكم
يا رائــدي نــدوات آلـيـة الطـرب
إن لم يـكن بين الحــسين وبـيـنـنـــا
نـسبٌ فـيـكـفـيـنا الـرثاء له نــسب
والحـر لا يـنـسى الجـمــــيل وردِّه
ولانْ نـسى فـلـقــد أسـاء إلى الأدب
يالائـمي حـب الحـسين أجــــــنـنا
واجــتاح أوديــة الضـــمائر واشرأبّْ
فلـقد تـشـرَّب في النــخاع ولم يــزل
سـريانه حتى تســـلَّـط في الـرُكــب
من مـثـله أحــيى الكـرامة حـيــنـما
مـاتت على أيــدي جــبابـرة الـعـرب
وأفـاق دنـيـاً طـأطـأت لـولاتــــها
فــرقى لـذاك ونـال عــالية الـرتــب
و غــدى الصـمـود بإثـره مـتـحفزاً
والـذل عن وهـج الحيـاة قد احتـجـب
أما الـبـكاء فــذاك مــصـدر عـزنا
وبه نـواسـيـهـم ليـوم الـمنـقـلـب
نـبـكي على الــرأس المـــرتـل آيـة
والــرمح مـنـبـره وذاك هو العـجـب
نـبـكي على الثـغـر المـكـسـر ســنه
نـبكي على الجـسـد السـليب الـمُنتهـب
نـبـكي على خـدر الفــواطـم حــسرة
وعـلى الـشـبـيـبة قـطـعـوا إربـاً إرب
دع عنـك ذكــر الخـالـديـن وغـبـطهم
كي لا تــكون لـنـار بـارئـهـم حــطب

عن admin2

شاهد أيضاً

إنْ أحببتَنـي

عتاب عبارة ١ علّم يا وَلدي قبلَ أن تأتي إلى امرأةٍ مِثلي كيفَ تكتبُ الشِّعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *