أخبار عاجلة
الرئيسية / ادب وفنون / الجلسة الأخيرة

الجلسة الأخيرة

هاجر الأسدي ..
قصة من نسج الخيال

كان جسدها محترقاً بالكامل بحروق عميقة للغاية حتى تيقنت أن حياتها الباقية هي عدة أيام لن تطال أسبوعاً ..
جاءت الممرضة لتكتب بعض التفاصيل في ملفها الذي سيوضعُ قريباً بين ملفات الوفيات ..
سألتها بحفيف الصوت بعد أن حركت رأسها نحوها بصعوبة أشد من تحريك جبل بكاملهْ ..
قالت بعد أن ترقرقت عيناها دموعاً: هل لي بسؤال من فضلك؟
أجابتها الممرضة: بالطبع تفضلي
كم تبقى لي؟ أرجوكِ أجيبيني بصراحة

عمَ المكان صمتٌ غريب للحظات ..
بدد ذلك السكون صوت الممرضة قائلةً: في الواقع ليس الكثير، عدة أيام ..
فعاد الصمت سيد الموقف حينها ..
إبتلعتْ ريقاها وأخذتْ نفساً عميقاً كأنه الأخير بعد أن أغمضتْ عيناها وهي تستذكر اللحظات المميزة خلال عشرينَ عاماً. بينما سجلت الممرضة ملاحظاتها الأخيرة قبل أن تذهب..
لاحظت عقارب الساعة قاربت الخامسة صباحاً..
طلبت من الممرضة أن تكتب شيئاً بدلاً عنها فلم يكن بمقدورها حملُ قشة، جلستْ قربها تناولت القلم الذي سيكتب تاريخ وفاتها حتى ابتدأت بالكلام ..
(( كان الإسبوعان الماضيين سيئين للغاية ولكن لم يختلفا عن سابقهم سوى أنني إزددتُ إكتئاباً حتى أقدمتُ على فعلتي، كانت إحدى أخواتي تشاجرني على أتفه الأشياء، أما الأخرى كانت ترمقني بنظرات أشبه بالوخزات في قلبي عشرات المرات يومياً وكانت أشد العلم كم تؤذيني نظراتها وتتعمد فعل ذلك، كأنها إحدى وسائل التعذيب الصامتة كنت أكرهها شديد الكره، كُنت المجنونة في نظر عائلتي ..
إن لم أتناول دوائي بوقته فقد أكون جنيتُ على نفسي بمشكلةٍ أخرى مع أمي التي لم تحاول فهمي حتى أعتدتُ على ذلك، أخذوا متنفسي الوحيد منذ أيام، هاتفي الخاص، فقبل أن آتي إلى المستشفى قد دار شجارٌ عنيف مع أختي، فبالطبع أنا المسؤولة دائماً عن كل المشاكل كما يروني، حتى أنني المتنفس الوحيد لغضبهم، ليلتها قررت قتلها خنقاً بالوسادة وهي نائمة بعمق ..أغمضت عيني))..

لاحظت الممرضة أن سيلاً من الدمع إنهمرت على وجنتيها المقرحتان ..

أكملتْ بعد أن حاولت تهدأة نفسها ((توقفت للحظة قبل الشروع بخنقها فهربت من نفسي لأجدها في غرفتي البائسة، جلست على الأرض دون وعي، احتضنت ساقي كانت دموعي أشبه بشلالٍ ينهمر من بحرٍ ميت، كنت أشبه بمنْ خرجَ من الموت ليُعيدَ نفسهُ إليه، تأملت غرفتي وكأني أودع متحفاً أثرياً كومات الكتب، سريري المليء بلوحاتي القديمة و المرسومة مؤخراً وصلت عيني لحظتها إلى الصور المعلقة بجانت مرآتي حين كنا صغاراً، أزلت الغطاء الذي إعتدت تغطية كل مرآيا الغرفة به خوفاً من رؤية نفسي …))
أخذت تنهيدة عميقة جداً وحدقتْ بعيناها إلى السقف المهترئ حتى أكملت ..
(( كنت شاحبة للغاية، تلمست شفتي، وجنتي وعينيَ الواسعتان أصبحتا في قعر بركةٍ من السواد تلمست تجاعيدي وكأنني إمرأة بعقدها الرابع، جلست على كرسيِّ البالي أحاول إسكاتَ ضجيجاً قد إعتنق عقلي …))
أجهشتْ بالبكاء وتعالى صوتُ أنينها ..
جاهدت لإتمام كلامها ..(( حينها قلتُ لنفسي إن لمْ يأتي أحد لإحتضاني خلال عدة ساعات سأُنهي كل شيء .. مرت الساعات ولم يلحظ أحداً منهم وجودي من عدمه .. حرقت نفسي وأنهيت الأمر برمته ..)) أخذت أنفاسها الأخيرة وهي تحتضر حتى قالت (( هم مَنْ قتلوا روحي ، وأنا مَنْ أنهيتُ على جسدي ))..
تأملتها الممرضة وقالتْ : ليتَ أحدهم إحتضنكِ أنت جميلة للغاية ورقيقة جداً .. أرجو الله أن يسامحكِ ويسامحهم …
دقت السادسة صباحاً
معلنةً ساعة الوفاة ..

عن admin2

شاهد أيضاً

إنْ أحببتَنـي

عتاب عبارة ١ علّم يا وَلدي قبلَ أن تأتي إلى امرأةٍ مِثلي كيفَ تكتبُ الشِّعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *