أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / فوضى الحريات وفوضى القوانين

فوضى الحريات وفوضى القوانين

بقلم : عبد الحميد الصائح

اذا لم يكن مجلس النواب رقيبا أمينا على الوضع العراقي السياسي والأمني والاقتصادي كماهو واجبه الطبيعي ، فان الرقابة الشعبية العامة المتمثلة بالمؤسسات غير الحكومية والاحزاب والتجمعات الجماهيرية تحل محله تلقائيا في هذه المهمة الكبيرة والضرورية لاسيما في بلد كالعراق ، مازالت اثار التحول فيه من ديكتاتورية مفرطة وتضييق للحريات والحياة عموما ، الى تعددية سياسية واعلامية واتاحة مطلقة لحقوق النشر والراي بدأت تتقلص تدريجيا مع انحدار الاسس الديمقراطية التي يفترض ان تكون بديلا للنظام البائد ، ونشوء مراكز نفوذ محمية بالمقدسات المتشعبة المحاطة باشخاص سياسيين هم عرضة للنقد العام كونهم يعملون في شؤون السياسة والمصالح العامة.
الدور الشعبي هذا ظل منذ زمن ليس بالقصير بالمرصاد لكل القوانين التي تنتهك قيم الحرية الاساسية بحجة الحد من الفوضى. وآخرها قانون جرائم المعلوماتية الشمولي المنفعل الذي تم وضعه ليضرب عصب الحريات الصحفية المهنية أولا قبل ان يشذب قاعدة التعامل مع الاخبار والجرائم الحقيقية التي ترتكب في عالم المعلومات ، وسبب ذلك أن جميع النصوص والمواد تشير الى أخطاء وسلوكيات عادة مايرتكبها سياسيون داخل العملية السياسية ، من ترويج للفتنة واصطفاف طائفي ومظاهر التسقيط السياسي وتسريب المعلومات والوثائق والتخابر مع جهات اجنبية بل وصلت حد الاعتراف علنا أمام الرأي العام بارتكاب فعل الرشوة والفساد والتحاصص الطائفي. وعليه فان قانونا بهذه الشمولية لايفرق بين حق الصحفي في الوصول الى المعلومة مهما كانت حساسة ، وفوضى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الاضرار بمصالح البلاد العليا لايمكن أن يكون وثيقة وطنية صحيحة .. ولذلك فنحن لانرفض تماما وضع حدود لجرائم متفق عليها مثل جرائم الاتجار بالبشر والمخدرات والجرائم المتعلقة بالاستيلاء على اموال الغير وحقوقه الفكرية والجرائم المالية التي تقع في هذا السياق ، فهذه الافعال اصلا طالبت بمكافحتها المنظمات الجماهيرية والصحافة الحرة منذ زمن بعيد ، بل كانت لنا تحذيرات مباشرة من ان عدم ضبط سياق المعلومات وحمايتها من الارهابيين والتعامل بجدية وصرامة مع شبكات الكترونية خطيرة توفر ذلك سيؤدي الى كوارث وقد حدث ، لكن تضمين هذه الجرائم ( الحقيقية ) مع مصطلحات متحركة يمكن تفسيرها حسب هوى الحاكم او صاحب المركز السياسي ،مثل الاضرار بالمصلحة العامة ، او التحريض على العصيان المدني ، او اثارة الفتنة ، او الترويج لافكار مناهضة وغيرها من العموميات ، انما تمثل قاعدة متحركة لاتهام اي شخص باي فعل لاينسجم مع المنظومة السياسية ، هناك فرق بين الجريمة الصريحة ، وتفسير الفعل على انه جريمة ، وهذه من اخطر ماجاء عليه القانون ،بل يمثل هذا الاسلوب ضربا لعصب حرية الراي التي كفلها الدستور .
نحن مع تشريع وضوابط فعلية للحد من الجرائم الالكترونية لكننا لسنا مع قانون يمكن ان يفسر التظاهرة الشعبية ضد المحاصصة والفساد اضرارا بالصالح العام والقانون يتيح ذلك في وضعه الحالي ، لاسيما النزعة العدوانية التي وضعت عقوبات وغرامات انتقامية لاتتناسب مع الفعل وهو فعل قابل للتفسير كما اشرنا .
ان على مجلس النواب ان يقول قولته في هذا الموضع وان يراجع هذا القانون الذي يعد الاخطر في تاريخ العراق مابعد الفين وثلاثة لكي لايرتكب جرما جديدا بسن قوانين ارتجالية تظل عاهة في وضع البلاد السياسي والقضائي.

عن admin2

شاهد أيضاً

حزب السيد الوزير

  واثق الجابري إفترست نزوة الفساد معظم مفاصل الدولة، حتى لا يكاد يمر يوما، دون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *