الرئيسية / مقالات / محمد باقر الصدر وسقوط النظام البعثي

محمد باقر الصدر وسقوط النظام البعثي

بقلم : غفار عفراوي

مثّل هذا الإنسان العظيم كل المعاني التي تطلق وفق مصطلح واحد هو الخير . فمن مضمون الخير يمكن أن نستخلص الصدق مع الجميع وأولهم النفس التي كان حاملا داخلها صدقا مع خالقه وبالتالي مع مجتمعه الصغير والكبير على حدّ سواء .
كان الصدر عنوانا للصدق كما كان ولا زال نبراسا يقتدي به كل مخلص لدينه ووطنه .
تشرفت به كل العلوم والمعارف الاجتماعية والفقهية فصار مقياسا للعلماء بعده ، كل العلماء والمفكرون يجنون فائدة إن كتبت عنهم الصحف أو المجلات أو عرضت لهم الفضائيات أو الّفت عنهم الكتب الاه ، فان الفائدة الكبرى والشرف الأعظم لمن يوفق أن يكتب جملة بحقه والحمد لله على التوفيق.
كان التواضع توأمه ، فلا تجد ما يوحي انك أمام جبل من العلم والإبداع ، فقد كان مجلسه أفقر المجالس ، فلا أثاث ولا كهرباء ولا سيارات فارهة ولا قصور مشيدة رغم انه كان من اشرف العوائل والأسر العلوية في العراق وكان مرجعا كبيرا أطبقت شهرته الخافقين ، تواضع لله فشاء الله أن يرفعه إلى أعلى القمم الدنيوية والأخروية ..
ثار على الظلم في كل مكان ولم تخفه قلة الناصرين لأنه تعلّم من جده أمير المؤمنين ان سالكي طريق الحق قليلون فمضى يشق درب الثورة ضد الطغيان والتعصب والحقد حتى غدا أنشودة للثائرين في كل عصر ومصر .
رغم انه عُدم من الحنان الأبوي في سن مبكرة ، إلا انه كان الأب الحنون على جميع الناس بلا استثناء ولا قيود وصرّح (رض) بذلك كثيرا حيث كان يعتبر نفسه ووجوده من اجل الجميع ، العراقي وغير العراقي ، السني والشيعي ، العربي والكردي ، فهو أب للإنسان أيا كان لونه … وكما يقول رفيق محنته محمد رضا النعماني صاحب كتاب سنوات المحنة وأيام الحصار عن صفات الصدر الإنسانية ” تراه يلتقيك بوجه طلق تعلوه ابتسامة ، تشعرك بحب كبير وحنان عظيم ، حتى يحسب الزائر ان الشهيد الصدر لا يحب غيره ، وان تحدث معه أصغى إليه باهتمام كبير ورعاية كاملة . وان سأله أجابه بمقدار استيعابه وتحمله . فتحصل حالة يحس الزائر من خلالها بحب وعاطفة تملك قلبه ” .
لم يغير ولم تتغير هذه الصفة التي كان (حُسّاده) يصورونها نقطة ضعف في شخصيته كما يذكر النعماني في المحنة أنهم كانوا يقولون ( ان السيد عاطفي لا يصلح للمرجعية وقيادة الأمة )!!
فلعمري ، هل يجب على المرجع وقائد الأمة أن يكون غليظ القلب ، وأين منا كلام الله تعالى في قرانه الكريم ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ) .
الم يك رسول الله ذا قلب عطوف على الأمة ، وهل هناك مرجع أفضل من رسول الله ! وهل كان الإمام الحسين ضعيفا لا يستحق قيادة الأمة حين بكى على القوم لأنهم سيدخلون النار بسببه كما في إحدى الروايات، أو حينما انكسر قلبه على ولده علي الأكبر بعد استشهاده وقال لإخوته احملوه فلا طاقة لي على حمله ، وكذا الحال مع أخيه أبي الفضل العباس (ع) ؟
كان زهده امتداد لزهد أجداده الأئمة المعصومين (ع) فلم يدخل (مسكنه) الذي لا يمتلكه أي من الأجهزة التكنولوجية آنذاك كجهاز التكييف الذي له قصة يرويها النعماني إذ يقول (ذهبت إلى السوق لأسأل عن سعر جهاز التكييف الذي نصحنا الطبيب المشرف على علاج والدة السيد بان نغير جهاز التبريد المائي بجهاز غازي لأنها مصابة بمرض في جهازها التنفسي .. ولما علم الصدر الشهيد بذهابي إلى السوق غضب غضبا شديدا وتغيرت ملامح وجهه ، واعتقدت لو كنت ابنه الصلبي لضربني في تلك الساعة) !!
هذا هو القائد وهذا هو المربي والقدوة للمجتمع ، فهو يرفض كل متع الحياة وزخرفها وزبرجها لأنه يشعر بالمسؤولية العظمى الملقاة على عاتقه فهو يعلم انه راع ومسؤول عن رعيته ، لقد قال للنعماني بعد حادثة جهاز التكييف ) الم تعلم باني أريد لهذه المرجعية حياة البساطة والاكتفاء بأبسط مظاهر العيش بل الضروري منه ).
لقد كان الصدر العظيم يرقّع ملابسه بنفسه كما كان يفعل ذلك جده أمير المؤمنين ، وهنا يذكر النعماني انه قد ساعده في احد أيام مرضه في الدخول للحمام فشاهد ان (فانيلته) فيها أكثر من مزق فقال له دعني اشتري لك غيرها فقال الصدر : كلا ، هذه لا يراها احد !!
كان الصدر ثورة في الأخلاق قلّ نظيرها إلا عند أصحاب الإمام (ع) المخلصين فلم يك حاقدا ولا شامخا بأنفه ولا معرضا عن عدو فضلا عن الصديق .. ومن مذكرات تلميذه السيد الحائري بهذا الخصوص يقول ” انفصل احد طلابه عن درسه وخطه الفكري الإسلامي ثم بدأ يشتمه وينال منه في غيابه أمام الناس ، وكان كثير من كلماته تصل إلى مسامع أستاذنا العظيم وكنت ذات يوم جالسا بحضرته الشريفة ، فجرى الكلام عن هذا الطالب الذي ذكرناه ، فقال (رض) ” أنا لا زلت اعتقد بعدالة هذا الشخص ، وان ما صدر منه ناتج من خطأ في اعتقاده وليس ناتجا من عدم مبالاته بالدين ) .
كان نبوغه العلمي وعقليته الفريدة موهبة ضمن التركيبة السيكولوجية والبيولوجية ولم تكن الدراسة والقراءة والتعلم إلا تكملة لما ولد معه بالفطرة الإلهية ، فكانت علامات النبوغ وآثار الذكاء بادية عليه منذ صباه .
يقول احد أساتذته في المرحلة الابتدائية وكان مدرسا لمادة اللغة : ( لولا الأنظمة والقوانين ولو كانت هناك حكومة تقدّر النبوغ والكفاءة ، لمنحته الشهادة الثانوية بأعلى الدرجات وفتحت له أبواب الكليات ليختار منها ما يشاء وكفيته أمر الذهاب إلى المدرسة والعودة منها إلى البيت ، إن إلمامه بعلوم اللغة العربية يفوق حد التصور لطفل في سنه ، وكم من مرة جعلني أقف محرجا لا أحير جوابا ، فاضطر أن أؤجل الجواب على سؤاله إلى يوم آخر ، لئلا أكون في موضع العاجز عن الجواب أمام تلامذتي ) .
أما في الحادية عشرة من عمره فيقول عنه السيد عبد الغني الاردبيلي : ( قرأ رحمه الله في الحادية عشرة من عمره المنطق ، وكتب رسالة في المنطق يعترض فيها باعتراضات على بعض الكتب المنطقية . وفي أوائل الثانية عشرة من عمره درس معالم الأصول على يد أخيه السيد إسماعيل الصدر رحمه الله ، وكان من شدة ذكاءه يعترض على صاحب المعالم بإيرادات وردت في الكفاية ) .
ولا عجب في ذلك النبوغ وتلك العبقرية فهو قد ذاب في الله وأعطى لله ودرس لله ولم يك لديه أي تعلق بالدنيا إلا بما يفيد فيه مجتمعه وإسلامه فينقل السيد الحائري عنه انه كان في أيام طلبه للعلم يعمل في اليوم الواحد بقدر خمسة أشخاص مجدين .
يقول عنه احد أساتذته في الابتدائية : ( لقد كان كل ما يدرس في هذه المدرسة من كافة العلوم دون مستواه العقلي والفكري ، كان شغوفا بالقراءة ، محبا لتوسيع دائرة معرفته ساعيا إلى تنمية مداركه ومواهبه الفذة ، لا تقع عيناه على كتاب إلا وقرأه ، وفقه ما يحتويه في حين يعزّ فهمه على كثير ممن انهوا المرحلة الثانوية) .
كان لدى الصدر العظيم إلمام كبير بمطالعة كتب الماركسية في صغره وكان يشرح لأساتذته المطالب غير الواضحة والملتبسة عليهم من تلك الأفكار الغريبة آنذاك .
كان ولا زال أعجوبة الزمان ونابغة العصور وهيبة التاريخ ..
لم تمنعه روحه الشفافة الطيبة أو علميته الكونية أو ضعفه البدني من أن يسلك درب جده الحسين (ع) بل صار أنشودة الثائرين في كل زمان ومكان حين وقف جبلا شامخا أمام التهديد البعثي بالقتل أو السجن بل استطيع الجزم ان الموت كان يفرّ منه ويخشى لقاءه ليس كالآخرين ممن ترعبهم الكلمة وتحطمهم التهديدات .
استطاع هذا الثائر الحسيني أن يصنع من الموت حياة ومن الخوف قوة ومن التردد عزيمة ، لقد وقف مرفوع الهامة غير مبال بجيوش المكر والخديعة والظلام الذين احتوشوه من كل جانب ومكان ، صبر على السجن والاعتقال والتعذيب النفسي لكنه لم يغير مبادئه الرافضة للظلم والتسلط وكان جلّ همه رفع اسم الإسلام والانتصار للمظلوم ، قدم كل شيء قبل أن يقدّم اعز وأغلى شيء وهو دمه الطاهر ليعبد به طريق التحرر والكرامة .
كان يربي الأمة على البذل والتضحية في سبيل المبادئ الإسلامية وعدم الخوف من الموت لأجل إعلاء كلمة الحق ، حيث كان يقول (رض)في هذا الإطار مذكرا الناس بتضحية الإمام الحسين (ع) : ( إن ثمن دم الإمام الحسين – الذي هو أغلى دم سفك في سبيل الإسلام – أن يبقى محركا ، منورا ، دافعا ، مطهرا ، نقيا على مر التاريخ لكل أجيال الأمة الإسلامية ، لابد أن يهز ضميرنا وضمير كل واحد منا اليوم كما كان يهز ضمير المسلمين قبل ثلاثة عشر قرنا ، لابد أن يهز ضمير كل واحد منا حينما نجابه أي موقف من مواقف الإغراء ، أو الترغيب أو الترهيب ..) .
هكذا كان يربي طلابه وأتباعه وكذا كل المسلمين ، هكذا رسم صورة ناصعة ومنيرة للحق وكيفية إتباعه ، فيجب أن تعرف الحق حتى تعرف أهله ولا يغرنّك الكلام المنمق وأنت تعلم ان هناك سورة كاملة في القران الكريم انزلها الله تعالى بالمنافقين .
اختار شهيدنا المقدس هذا الطريق وقرر أن يضحي بدمه لينقذ الأمة من مرضها الذي ابتليت به نفس الأمة أيام جده الحسين (ع) وهو مرض فقدان الإرادة وتغلب أخلاقية الهزيمة على أخلاقية النصر والتضحية ، لم يستمع ولم يأخذ بنصح الناصحين له حين اقترحوا عليه مغادرة العراق وقيادة الثورة من الخارج كما اقترح المهزومون نفسيا على الحسين بالمسير إلى اليمن والتخلص من سيف يزيد ، اختار الصدر العظيم البقاء ومواجهة السلطة القمعية التي لا تعرف إلا لغة القتل منهاجا والتهديد حوارا .
اصدر فتواه التاريخية بحرمة الانتماء لحزب البعث وكذلك ضرورة مواجهته بالسلاح واصدر بيانا دعم فيه الثورة الإسلامية في إيران مما جعل القيادة المركزية برئاسة صدام تستشيط غضبا وترسل له رسائل الترهيب ومعها رسائل الترغيب تطلب منه العدول عن تلك الفتاوى القاسية مقابل إطلاق يده وعدم التعرض له من قبل السلطات وتوفير العيش الرغيد والسكن المرفه والخدم الكثير ، لكنه فاجأ العالم برسالة جوابية كان فيها من العلوم المعرفية والاجتماعية والغيبية الكثير ، وأبرزها نبوءته المشهورة بسقوط الدولة البعثية على يد أعداءها وتذوقهم مرارة الهزيمة والخذلان ، وفعلا حدث ذلك في نفس أيام إعدامه رضوان الله عليه حيث دخلت القوات الأمريكية التي ما كان البعث يعتقد أنها ستنقلب ضده يوما – وهذا احد أخطاءه السياسية الكبرى بل هو أكبرها – واجتاحت بغداد وأسقطت الصنم الذي جثم على صدور العراقيين طويلا ، فكان ما قرأه المفكر العبقري من نهاية البعث المهينة.
فسلام عليه يوم نورت الأرض بنوره ويوم يبعث مع الصديقين والشهداء ليشكو لبارئه ظلم الأولين والآخرين وسلام على أخته الفاضلة العلوية الطاهرة آمنة الصدر (بنت الهدى)التي آلت إلا أن تكون كزينب العقيلة في وقفتها مع الحسين إلا أنها نالت الشهادة مع أخيها وذهبت تشكو لربها من ظلم الظالمين وكيد الحاسدين ..

المصادر :

1- سنوات المحنة وأيام الحصار للشيخ محمد رضا النعماني
2- الحسين يكتب قصته الأخيرة للسيد محمد باقر الصدر
3- الشهيد الصدر سمو الذات وسمو الموقف للسيد كاظم

عن admin2

شاهد أيضاً

أين نحن من الديمقراطية

  بقلم : رائد الهاشمي تحتاج الديمقراطية الى تهيئة مستلزمات عملية لتسهيل مفردات تطبيقها على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *