الرئيسية / الاخبار / الترياق المجرّب

الترياق المجرّب

بقلم الكاتبة: فاطمة الركابي

يصف أحد الافاضل أدعية الامام السجاد(عليه السلام) بإنها ” صيدلية القلوب “، فهي بالاضافة لقيمتها “ككلمات” ندعوا بها الله تعالى ونتقرب اليه بها، لها قيمة “معرفية” كبيرة لنا لما تحمله من مضامين عالية بعلوا درجة معرفة قائلها بربه، وبالنفس الانسانية.
فللمتأمل بها يجد إنها الترياق لكل داء، وللمتداوي بها يجد فيها الشفاء من أمراضه القلبيه والنفسية على حدا سواء.

ومن هذه الادوية هي ما نقرأه في فقرات من دعاء مكارم الاخلاق لإمامنا السجاد(عليه السلام)، وهي فقرات يُعلمنا بها كيف علينا أن نسعى ونطلب من الله تعالى أن نتحلى بما تحلى به الصالحون ونتزين بما تزين به المتقون بقول: “وَحَلِّنِي بِحِلْيَةِ الصَّالِحِينَ، وَأَلْبِسْنِي زِينَةَ الْمُتَّقِينَ، فِي بَسْطِ الْعَدْلِ، وَكَظْمِ الغَيْظِ، وَإِطْفَاءِ النَّائِرَةِ،…”.

فكما يُذكر ” إن الزينة أخص من التحلية، والتقوى أخص من الصلاح”، لذا فإن اختيار العبائر كان من إمامنا السجاد(عليه السلام) دقيقاً ومطابقا لما أتى به كتاب الله بقوله:{يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ}(الأعراف:26)، فكما إن للبدن لباس ظاهري/مادي يستره ويزينه، فللنفس لباس باطني/معنوي يزينها ويسترها.

ومن هنا نفهم قول الإمام علي (عليه السلام): “إن تقوى الله دواء داء قلوبكم،…، وشفاء مرض أجسادكم، وصلاح فساد صدوركم، وطهور دنس أنفسكم،…”(١)
فهناك داخل النفس ثورة قائمة وصراع لا يتوقف بين الخير والشر، وبين السعي لإظهار الفضائل، وبين صراع لطمسها وإبداء ما هو خلافها، فعن النبي(صل الله عليه وآله): “أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك”.(٢)

وفي حدود ما افهم لو دققنا في تسلسل العبائر في دعاء الامام (عليه السلام) أن “كظم الغيظ” توسط بين عبارتين هما “بسط العدل” و “إطفاء النائرة”.
وكأن “بسط العدل” هو مقدمة لتحقق “كظم الغيظ” فتعالى يقول في محكم كتابه {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا } (الإسراء: 29).
فاليد -كما هو معروف- هي كناية عن مفهوم “العطاء”  اي إن يكون الانسان متزنا في عطائه فلا يكون من اهل الاسراف فيعطي كل ما يملك، ولا يكون شحيحا فيبخل فلا يبادر بالعطاء قط.

وهناك معنى اخر يمكن أن نفهمه من اليد وهو “القدرة”، فالإنسان الذي يجد في نفسه المكنة والقدرة وبتالي يكون ذو قوة فيكون مصداق لهذه الآية { كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى ○أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى}(العلق: 7-6)، لذا فمن لديه نفس متزنة ولها ملكة العدل، هي لن تطغوا ولن تظلم ولن تعتدي او تتعدى حدودها مع من هو أضعف منها او تذل امام من هو أقوى منها، بل تبقى متزنة عزيزة مكرمة عند الاعلى والادنى، وفي تعاملها متسمة بالتواضع لا الضعة، فالتقوى هي خير دواء وعلاج للنفس في هكذا موضع.

هذا وقد قيل إن “الكظم” مأخوذ من كلمة عربية وهي “كظم القربة” أي شدها بإحكام بعد ملئها بالماء، لكي لا يُسمح بخروج شيء من الماء منها. و”الغيظ” هو أشد مراتب الغضب ودرجاته.
لذا فكظم الغيظ يمكن ان نعبر عنه بانه: ضبط وإحكام النفس بعد امتلائها بالغضب فلا يظهر منه شيء.
فهي بالنتيجة كما قال رسول اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) أنه قال: “مَن كَظَمَ غَيظاً مَلَأ اللَّهُ جَوفَهُ إيماناً”(٤). اي أمانا وسلاما فيخلو باطنه من الغضب فيملئ بالحلم، فتسلم سريرته وتصلح.

ففي الفقرة التي بعدها من الدعاء يُبين الامام(عليه السلام) وجود ثمرة ومرتبة اعلى يتحلى بها الصالح من عباد الله والمتقي كاظم الغيظ، وهي التي عبر عنها الامام ب(إطفاء النائرة).
فهو-اي كاظم الغيظ- لا يكتفي لنفسه بأن يكون ذو نفس ساكنة ومسالمة ومطمئنة، لا غيض ولا عداوة فيها على العدو قبل الصاحب! وإنما هو يبادر ببسط العدل وإطفاء جذوة نار الغضب في نفس المقابل.
فيكون بذلك مصداق لقوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(آل عمران:134).
فالنفوس مهما كانت معادية وقد غلبت عليها القوة الغضبية واشتعلت فيها نيران الكراهية، إذا ما قوبلت بالصفح والعفو والاحسان، فهي ستُذعن وتتراجع وتسكن، وضميرها وفطرتها تتحرك بالود والسلم تجاه المقابل- فكما ورد- إن النفس جبلت على حب من يحسن إليها.

ومن هنا نعلم إن من اهم الدروس المعرفية التي يريد الامام(عليه السلام) أن يوصله لنا عبر هذه الفقرات هو:
لا تكتفي بإن لا ترد الإساءة والعداوة بالمثل، بل قابل الاخر بالإحسان، ولا تكتم له ما أبداه فتكن ممن ثقب لباسه الذي وقاه من العداوة والبغضاء، بما لا يليق بقلب يحمل نور الموالاة لساداته النجباء ممن تحلوا بحلية الصالحين وتزينوا بزينة المتقين، بل خذ بيده كما فعلوا هم؛ فالمعادي والمبغض ما هو الا مريض يحترق بنار نفسه الامارة بالسوء، وغضبه المتوقد بالحسد والحقد، فأطفئها بنور تقواك التي اقتبستها من نور أئمتك الاطهار (عليهم السلام).

———-
(١)نهج البلاغة: الخطبة ١٨٩.
(٢) تنبيه الخواطر: ج١، ص٢٠٤.
(٣) بحار الأنوار: ج ٤٨، ص ١٠-١١.
(٤) بحار الأنوار: ج٤٤، ص٣٨٢، ح٦٦.

عن admin2

شاهد أيضاً

عاجل

رئيس المجلس الجديد يشدد على أن عمله سيكون لخدمة المحافظة ابتداء باستضافة مدير التربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *